السيد عبد الأعلى السبزواري
36
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
من أوّل البعثة ؛ لاعتقادهم أنّ الدولة ستكون للكافرين ، ولمّا يستحكم الإيمان في قلوبهم ، ويدلّ على أنّ هؤلاء المنافقين هم المراد من الآية الشريفة ذيلها ، حيث وصف تعالى حالهم في النفاق وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ، فإنّه عزّ وجلّ أثبت لهم شيئا من ذكر اللّه تعالى ، وهذا لا ينافي حال المنافقين الّذين لم يؤمنوا بقلوبهم أبدا ، فإنّ له سبحانه وتعالى كلاما معهم في موضع آخر ، وكانوا أشدّ خطرا على الإسلام من سائر الفرق كما ستعرف ، كما لا ينافي شمول قوله تعالى : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً لجميع أصناف المنافقين ، فإنّ لهم عذابا أليما وإن اختلفوا في كيفيّته . ومن ذلك تعرف أنّه لا وجه لإنكار وجود مثل هؤلاء في وقت نزول هذه الآية الشريفة الّتي نزلت بمكّة المكرّمة ، بدعوى أنّ الخطاب إنّما توجّه إلى المؤمنين لا المنافقين ونهيهم عن مجالسة الكافرين والمستهزئين ؛ لأنّ نجم النفاق إنّما ظهر بالمدينة ، وأنّ النفاق الّذي ظهر في المدينة إنّما كان مرتبة أخرى غير الّتي كانت بمكّة ، والنهي إنّما توجّه لهؤلاء المؤمنين الّذين وصفهم عزّ وجلّ بالنفاق لمجالستهم الكافرين والمستهزئين بالمؤمنين ؛ لضعف إيمانهم واعتقادهم بأنّ الدولة أو الحكومة ستظهر فيهم فتكون لهم يد عندهم ، فكان هؤلاء المنافقون غيرهم الّذين ظهروا في المدينة . وإنّما كانت موالاة الكافرين نفاقا ؛ لأنّ الحضور في مجالسهم يستلزم التخلّق بأخلاقهم وتصديق بعض ما يعتقدونه وما يتذاكرونه ممّا لا يرتضيه اللّه تعالى ، فنسبته إلى الدين ثم الرضا بأفعالهم وأعمالهم هو الكفر ؛ لأنّ فيه انفصالا عن مجتمع المؤمنين وتجاوزا عن ولايتهم وإعراضا عن الدين ، فلو حضر مجالس المؤمنين واشترك معهم في شيء من شعائر الدين وذكر اللّه تعالى قليلا ، لقرع سمعه آيات اللّه وأحكامه دون الوصول إلى قلبه حتّى يعرض عن الكافرين ، وهكذا إذا أعادوا الكرّة مع الكافرين فإنّه يوجب الازدياد في الكفر ، فصار له وجهان ، وجه مع